استضافت شركة الصلت للخدمات القانونية ندوة إلكترونية لصالح غرفة الصناعة والتجارة العربية الألمانية (AHK)، جمعت عدداً من كبار التنفيذيين وصنّاع القرار والمديرين العامين العاملين في العراق أو الساعين إلى دخول السوق.
تناولت الجلسة تقييم المخاطر التعاقدية في العراق في ظل البيئة الحالية، مع تركيز خاص على القيود المالية، والتحديات المصرفية، والتغيرات التنظيمية، والإطار القانوني الناظم لكل من القوة القاهرة والإرهاق.
لكن الخلاصة التي برزت لم تكن قائمة من التفاصيل القانونية التقنية، بل نمطاً واضحاً:
الشركات التي تواجه صعوبات في العراق لا تفشل بسبب سوء صياغة العقود بقدر ما تفشل بسبب سوء تقدير البيئة التي تُنفَّذ فيها هذه العقود.
بيئة المخاطر التعاقدية في العراق: خمسة محركات متداخلة
تتشكّل بيئة المخاطر التعاقدية في العراق عام 2026 من خمسة عوامل رئيسية لا يمكن لأي عقد بمفرده تحييدها:
- دورات سداد حكومية تعمل ضمن قيود مالية صارمة
- قيود هيكلية على تحويلات الدولار داخل القطاع المصرفي
- اختناقات في مسار الموافقات الإدارية والتنفيذية
- اضطرابات إقليمية تؤثر على اللوجستيات والتأمين
- إعادة هيكلة شاملة لمنظومة المشتريات العامة في فبراير 2026
هذه العوامل لا تعمل بشكل منفصل، بل تتراكم وتُضخّم أثر بعضها البعض، ما يخلق طبقات متداخلة من المخاطر التشغيلية والتعاقدية.
أظهر استطلاع أُجري خلال الندوة على 47 مديراً تنفيذياً أن:
- 42% يرون أن تأخر السداد هو الخطر الأبرز
- 28% يشيرون إلى صعوبات إنفاذ العقود
- 19% يحددون الموافقات الحكومية كعائق رئيسي
واللافت أن هذه المخاطر ليست قانونية بحتة، بل تشغيلية بطبيعتها، وغالباً ما تقع خارج نطاق تأثير العقد نفسه.
قاعدة الاثني عشر: مخاطر تمويلية يُستهان بها
يعمل العراق في فترات متعددة دون موازنة اتحادية معتمدة، ما يؤدي إلى تفعيل آلية “الاثني عشر” بموجب قانون الإدارة المالية رقم 6 لعام 2019، حيث يُقيد الإنفاق الشهري بما يعادل 1/12 من موازنة العام السابق، ويقتصر على الرواتب والالتزامات القائمة.
النتيجة العملية:
- استبعاد المشاريع الرأسمالية الجديدة
- توقف أو تأجيل الإحالات والعقود الجديدة
- غياب ضمانات حقيقية لتوفر التمويل حتى بعد توقيع العقد
في عدد من الحالات، تكبّدت شركات أجنبية تكاليف تشغيلية فعلية قبل أن يتضح أن الجهة الحكومية غير مخوّلة أصلاً بالدفع ضمن الإطار المالي القائم.
الخلاصة العملية:
التحقق من وجود تخصيص مالي فعلي قبل بدء التنفيذ ليس خياراً، بل ضرورة أساسية لإدارة المخاطر.
تأخر السداد: مشكلة بنيوية وليست تعاقدية
اعتباراً من فبراير 2026، فرض البنك المركزي العراقي قيوداً على عشرات المصارف وشركات الصرافة فيما يتعلق بالدولار الأمريكي ضمن إصلاحات الامتثال.
ورغم ثبات السعر الرسمي (1,320 دينار/دولار)، فإن الفجوة مع السوق الموازي تخلق ضغوطاً إضافية على التدفقات النقدية.
في الممارسة العملية:
- لا يعني قبول الفاتورة ضمان الوصول إلى الدولار
- قد تمتد دورة الدفع لعدة أشهر رغم اكتمال الالتزام التعاقدي
- الاختناق يقع في نظام التحويل وليس في قرار الدفع نفسه
بالتالي، أصبحت إدارة مخاطر الدفع تتطلب:
التفكير في ترتيبات الدفع بعملتين عند الحاجة
التحقق من وضع البنوك الوسيطة
تصميم هيكل دفع مرن ومتعدد المسارات
إدراج اعتبارات تأخير التحويل بشكل صريح في العقود
تعليمات العقود العامة 2025: تحول هيكلي في قواعد اللعبة
تشكل تعليمات العقود العامة رقم 1 لعام 2025، النافذة اعتباراً من فبراير 2026، إعادة صياغة جوهرية لنظام المشتريات العامة في العراق.
أبرز التحولات:
- إخضاع جميع العقود العامة للقانون العراقي حصراً
- تقييد التحكيم الدولي بموافقة مجلس الوزراء
- اعتماد نماذج عقود إلزامية صادرة عن وزارة التخطيط
- تقييد التعديلات التعاقدية بنسبة 30%
- تحديد التعليق بحدود زمنية صارمة (90 يوماً للإنشاء و30 يوماً للتوريد)
- سقف تعويض الأرباح الفائتة عند الإنهاء بنسبة 4%
كما أكدت الاجتهادات القضائية أن العقود الموقعة مع كيانات أجنبية غير مسجلة داخل العراق تُعد باطلة بطلاناً مطلقاً، بما يرفع مستوى المخاطر من “تعاقدي” إلى “وجودي”.
القوة القاهرة والإرهاق: فجوة الفهم القانوني
في السياق العراقي، تُطبق معايير صارمة على القوة القاهرة:
- يجب أن يكون التنفيذ مستحيلاً فعلياً
- ارتفاع التكلفة أو التعقيد لا يكفي
- التعطيل الإداري أو المالي لا يرقى إلى الاستحالة
نتيجة ذلك، تفشل الغالبية العظمى من مطالبات القوة القاهرة أمام المحاكم العراقية، التي تميل إلى تفضيل استمرارية العلاقة التعاقدية.
في المقابل، يُعد “الإرهاق” الإطار الأكثر واقعية في معظم الحالات، حيث:
- يبقى التنفيذ ممكناً لكنه مرهق بشكل استثنائي
- تميل المحاكم إلى إعادة التوازن بدل الإعفاء
- يتم تعديل الجداول أو الأسعار بدل إنهاء الالتزامات
الأثر العملي واضح:
يجب تصميم العقود على أساس مزدوج للقوة القاهرة والإرهاق، مع آليات واضحة لإعادة التفاوض ومتطلبات إخطار صارمة.
خلاصة استراتيجية
لا تعكس المخاطر في العراق جودة العقد بقدر ما تعكس فهم النظام الذي يعمل داخله العقد.
البيئة الحالية تتطور بسرعة عبر:
- إصلاحات المشتريات العامة
- تشديد الامتثال المصرفي
- تطور الإطار التنظيمي
- اتجاه تدريجي نحو مزيد من الهيكلة القانونية
لكن العامل الحاسم يظل ثابتاً:
العقود لا تُدار بالنصوص وحدها، بل بالواقع الذي تُنفذ فيه.
الشركات التي تنجح في العراق هي تلك التي تفهم أن:
المخاطر ليست استثناءً… بل هي جزء من بنية السوق نفسها.
